حيدر حب الله

383

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

النظرية الخامسة : نظرية اختلاف الموضوع يذهب الشيخ مرتضى الأنصاري رحمة اللّه في الجواب عن شبهة التضاد إلى نظرية ترى أن إثبات التضادّ بين شيئين رهين بوحدة الموضوع ، فالحرارة في الحديدة لا تضادّ البرودة في الهواء لاختلاف المحل والموضوع ، وهكذا الحال بين الحكم الواقعي والظاهري ، ذلك أنّ الأحكام الواقعية موضوعها ومحلّها الأشياء بعناوينها الأولية ، فيما الأحكام الظاهرية موضوعها ومحلّها الأشياء بعناوينها الثانوية ، ويقصد بالأولي والثانوي هنا أن عنوان الشك غير دخيل في ترتب الأحكام الواقعية على موضوعها ، فالصلاة بما هي هي محلّ للحكم بالوجوب ، أما الأحكام الظاهرية فموضوعها الصلاة بما هي مشكوكة بحسب حكمها الواقعي ، فعند ما أشك في وجوب الصلاة واقعا وعدم وجوبها أرجع إلى الأمارات كأخبار الآحاد ، وهي تقول لي مثلا : إن الصلاة واجبة ، فالوجوب لم يترتب على الصلاة هنا بما هي هي ، بل ترتب عليها بوصفها مشكوكة الحكم الواقعي . وهذا العنوان - أي الشك - يقلب موضوع الحكم بدخوله على الخط تارة وخروجه عنه أخرى ، وبهذا لا يلزم أيّ تضاد بين الأحكام التكليفية الواقعية وتلك الظاهرية ؛ لأن الحكم الواقعي يقع في مرتبة عدم الشك على خلاف الظاهري ، فيختلف الموضوع « 1 » . وقد لاحظ بعض علماء أصول الفقه على هذه النظرية جملة ملاحظات نكتفي - كالعادة - بملاحظة ، وهي ملاحظة النائيني ، وتبعه السيد الخوئي فيها ؛ إذ اعتبر أن هذا الكلام غير منتج ، ذلك أنّ الحكم الواقعي بوجوب صلاة ما إما أن يكون شاملا واقعا لصورة الشك في هذا الوجوب ، فيكون الوجوب مطلقا أو يكون من البداية وجوبا مشروطا بأن لا يحصل للمكلّف شك فيه ، فإذا حصل شك فيه وعدم علم زال هذا الوجوب الواقعي . أ - فإذا أخذنا بالفرضية الأولى ، فمعنى ذلك الحكم بوجوب الصلاة حتى مع مجيء الحكم الظاهري بحرمتها ، لأن المفروض أن الوجوب الواقعي ثابت حتى في ظرف الجهل به ، وهذا الظرف هو ظرف ثبوت الحكم الظاهري حسب الفرض ، فيلتقي الحكمان في موضع واحد ، وهو حالة الشك في الوجوب الواقعي للصلاة المذكورة ، حيث يحكم الواقع بوجوبها فيما يحكم الظاهر بحرمتها مثلا ، وهذا هو اجتماع المتضادين . ب - أمّا إذا أخذنا بالفرضية الثانية ، وهي فرضية سقوط الحكم الواقعي في ظرف الجهل به ، فهذا هو معنى التصويب الباطل عند الإمامية ، إذ يعني أن الأحكام الشرعية

--> ( 1 ) - لهذه النظرية صيغ وأشكال من العرض ، وهناك من يوحّد بينها وبين نظرية تعدّد رتب الحكم عند الأنصاري ، علما أن هذه الفكرة طرحها الأنصاري بداية باب التعارض لا في سياق بحث مسألة إمكان التعبد بالظن ، على أية حال راجع - لمزيد من الاطلاع - : الأنصاري ، فرائد الأصول 2 : 750 ؛ والنائيني ، فوائد الأصول 3 : 100 .